Pre-Conciliar Documents

Back

رسالة الكنيسة الأرثوذكسية في العالم المعاصر

اجتماع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية
شامبيزي - جنيف، 21 -28 كانون الثاني 2016
رسالة الكنيسة الأرثوذكسية في العالم المعاصر
قرار

مساهمة الكنيسة الأرثوذكسية في إحلال السلام، العدالة، الحرية، الأخوة والمحبة بين الشعوب، وفي إلغاء أنواع التمييز العرقي وغير العرقي

 

تعيش كنيسة المسيح "في العالم"، لكنها ليست "من العالم" (يو 17، 11 وَ 14-15). تشكِّل الكنيسة علامةً وصورةً لملكوت الله في التاريخ لأنّها تبشِّر بـ"خليقةٍ جديدة" (2 كور 5 ،17)، و"سمواتٍ جديدة وأرضٍ جديدة ... يسكن فيها البِرّ" (2بط 3، 13)، وعالمٍ "يمسحُ (الله) فيه كلَّ دمعةٍ من عيونهم

(البشر)، والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزنٌ ولا صراخٌ ولا وجع" (رؤ 21، 4-5).

تعيش الكنيسة هذا الرجاءَ وتتذوقُه مسبقاً، بشكلٍ خاصّ، كلما أقامت سرَّ الشكر الإلهي، ويجتمع (1كور 11، 20) أبناء الله المتفرقين (يو 11، 52) في جسد واحد دون تمييزٍ في العرق أو الجنس أو السن أو أية حالةٍ اجتماعية أو أيّ تفرقة أخرى، حيث "ليس يهوديٌّ ولا يونانيٌّ، ليس عبدٌ ولا حرٌّ، ليس ذكرٌ ولا أنثى" (غلا 3، 28 ، وأيضًا مع كو 3، 11)، في عالمٍ يسوده المصالحةٍ والسلامٍ والمحبّة.

تعيشُ الكنيسةُ أيضاً هذا التذوقُ المسبق "للخليقةِ الجديدة" والعالمِ المُتَجلِّي، في قدّيسيها، الذين غدوا في هذه الحياة، بواسطة النسك وفضيلتهم، صورًا لملكوت الله، مظهرين ومؤكِّدين أنّ التطلّع إلى عالمٍ يسوده السلام والعدالة والمحبّة ليس أوتوبيا، بل "ثقةً  (ثابتة) بما يُرجَى" (عب 11 ،1)، تتحقّق بنعمةِ الله وجهاد الإنسان الروحي.

بما أنّ الكنيسة تُلهَم باستمرار بهذا الرجاءُ والتذوّقُ المسبق لملكوت الله، لم تكن أبدًا غير مبالية بمشاكل الإنسان، بل على العكس من ذلك، تشارِكُه  قلقه ومشكلاته الكيانيّة، وتزيل، على غرار  سيّدُها، الألم والجراحات التي يسبّبها الشرُّ الفاعل في العالم، وتضمّد كلوم الإنسان وتسكب عليها زيتاً وخمراً، كالسامريّ الشفوق (لو 10، 34)، وذلك بواسطة كلمةِ "الصبر والتعزية" (رو 15، 4 وَ عب 13، 22) والمحبةِّ الفاعلة. لا تهدف الكلمةَ التي توجِّهُها الكنيسةِ إلى العالم بالدرجة الأولى إلى نقد العالم وإدانته أو الحكمِ عليه (يو 3، 17 و12، 47)، بل إلى نقل الإنجيل إليه ليرشده إلى ملكوتِ الله، وإلى الرجاءِ واليقين أنّ الكلمةُ الفصل في التاريخِ لن تكون للشرَّ، أيّاً كان شكلُه، وأنّ عليه منعه من توجيه مسيرتَه.

مستندًا على هذه المبادىء وعلى كافة خبرة تقليدها الآبائي والليتورجي والنسكي وتعليمه، تشاركُ الكنيسة الأرثوذكسيّة الإنسانَ المعاصرَ إشكالياتِه وقلقه رغبةً منها في المساهمة بمواجهتِها، حتى يَحلَّ في العالمِ سلامُ الله "الذي يفوق كل عقل" (فل 4، 7)، وتَسودَ المصالحةُ والمحبّة.

 

أولاً: قيمة شخص الإنسان

١.   إن قيمة شخص الإنسان النابعة من خلقِه على صورة الله ورسالتِه في التصميم الإلهي المتعلّق بالإنسان والعالم، كانت مصدر إلهام لآباء الكنيسة الأرثوذكسيّة  الذين تعمقوا في سرّ التدبير الإلهي. في هذا الصدد، يشدِّد القدّيس غريغوريوس اللاهوتي بشكلٍ خاص على "كون الخالقَ وضع الإنسانَ على الأرض كـ"عالَمٍ ثانٍ، كبيرٍ في صغره، وكملاكٍ آخر، وكيان مزدوج يسجد له ويُشرف على الخليقة المنظورة، يتلقّف أسرارَ الخليقة العقلية، ويملك على كيانات الأرض، ... وككائن يعيش في هذا العالم ويتوق إلى عالم آخر، كمال السرّ  المقترب من الله بالتّألّه" (الكلمة 45، 7. الآباء اليونان 36، 632أب). تكمن غاية تجسد كلمة الله في تأله الإنسان. والمسيح جدَّد في ذاتِه آدمَ القديم (انظر أف 2، 15)، "مؤلِّهاً الإنسانَ بمجمله، باكورةً لرجائِنا" (أفسيفيوس ، في تفسير الأناجيل، 4، 14. الآباء اليونان 22، 289أ). وذلك لأنّه كما أنّ الجنسَ البشري كلَّه وُجِدَ في آدمَ القديم، كذلك يُعاد تجديده في الآدمَ الجديد. ("صار إبن الله الوحيد إنسانًا... ليجدّد الجنس البشري الساقط ويعيده إلى وضعه الأوّل (كيرلس الاسكندري، تفسير في الإنجيل بحسب يوحنا، 9. الآباء اليونان 74، 273ث-275أ). ويشكل تعليمُ المسيحيةِ هذا عن قدسيّةِ الجنس البشري نبعاً لا ينضب تستقي منه كلُّ جهد مسيحي يرمي إلى حمايةِ قيمةِ الإنسان وكرامته.

٢.    بناءً على ذلك، فإنه من الضروري أن يشجّع التعاونُ بين المسيحيّين في كافة المجالات لحمايةِ قيمة الإنسان ولحمايةِ أيضًا خير السلام، حتى تكتسبَ جهودُ جميع المسيحيين بدون أيّ استثناء السلميّة ثقلاً وقوةً أكبر.

٣.    يشكِّل الاعتراف المشترك بأهميةِ قيمةِ الشخص الإنساني الفائقة منطلقًا لتعاون أوسع في هذا المجال. فالكنائس الأرثوذكسية مدعوةٌ أن تُساهِمَ في التشاور والتعاون مع سائر الأديان لأجل إزالةِ  كلّ تعصّبِ ودعمِ المصالحة بين الشعوب وإحلالِ الحرية والسلام في العالم خدمةً للإنسان، دون تفريق في العرق أو الدين. من البديهي أن هذا التعاونَ يُلغي أيةَ تلفيقيّة وكلّ سعيٍ من أيّ دين أن يفرض نفسه على الآخرين.

٤.    لدينا القناعة أنّنا مشاركين في عمل الله (1 كو 3، 9)، وعلينا أن نقومَ بهذه الخدمة مع جميع أصحابِ النياتِ الحسنة الساعين وراء سلامِ الله، لأجل خيرِ الجماعة البشريّة على المستوى المحليّ والوطنيّ والدوليّ. وهذه الخدمةُ هي وصيةُ الله (مت 5، 9).

 

ثانياً: في الحرية والمسؤولية

١.    الحريةَ هي إحدى أرفع عطايا الله للإنسان لكونها تحمل فعلاً صورة الإله الشخصي وتمثّل شركةِ أشخاص يعكسون بالنعمة حياةَ الثالوثِ القدوس وشركةَ الأقانيم الإلهية، من خلال وحدة الجنسِ البشري. "خلق الله الإنسانَ  منذ البدء حرّاً، ومنحه حريّة الاختيار، ولم يضع حدُّا لها سوى طاعة وصياه" (غريغوريوس اللاهوتي، كلمة 14، 25،. الآباء اليونان 35، 892أ). فالحريةُ تجعلُ الإنسانَ قادراً أن يتقدَّمَ دومًا نحو الكمالِ الروحي، لكنها تفترض في نفس الوقت خطرَ العصيانِ والاستقلالِ عن الله والسقوطِ الناجم عنه، الذي تنجم عنه النتائج المأساوية للشر في العالم.

٢.    نتائجُ هذا الشر هي النواقص والأخطاء السائدةُ اليوم، كالعلمنةِ، العنف، انفلات الأخلاق، الظواهرِ المرضيَّةِ المتفشية بين شريحة من شبابِ اليوم بسبب المخدرات وأنواع الإدمان، العنصرية، التسلُّح، الحروب والأمراض الاجتماعية الناجمة عنها، اضطهادِ بعض الفئات الاجتماعية والجماعات الدينية وشعوبٍ بأكملها، عدمِ المساواةِ الاجتماعية، اختزالِ حقوق الإنسان في مجال حريةِ الضمير وبالأخصّ الحريةِ الدينية، تضليلِ الرأي العام والتلاعب به، المعاناةِ الاقتصادية، التوزيعِ غير المتساوي لحاجات الحياة الأوليّة، جوعِ الملايين المعانية نقصًا في التغذية، التهجيرِ القسري للشعوب وتشريدها غير المنصف، قضايا اللاجئين، التعدّي على  البيئة، الاستعمالِ غير المنضبط لعلم الحياة الجينية والطب البيولوجي  بما يتعلَّق ببدء الحياة الإنسانيّة  ومدّاها ونهايةِها كلُّ ذلك ينمّي حالةً من القلق  اللامتناهية التي تتخبّط فيها الإنسانية المعاصرة.

٣.    أمام هذه الحالة التي قادت إلى إضعاف مفهوم الشخص الإنساني، فإن واجب الكنيسة الأرثوذكسية اليوم هو إظهارُ معنى الحرية بالمسيح من خلال الوعظ، اللاهوت، العبادة، والعمل الرعوي. "كلُّ الأشياء تحلُّ لي لكن ليس كل الأشياء توافق،كلُّ الأشياء تحلُّ لي لكن ليس كل الأشياء تبني، لا يطلب أحدٌ ما هو لنفسه بل كلُّ واحدٍ ما هو للآخر... لأنه لماذا يُحكَم في حريتي من ضمير آخر؟" (اكو 10، 23-24 وَ 10، 29). فالحرية بدون مسؤوليةٍ ومحبةٍ تقود في النهاية إلى ضياع الحرية.

 

ثالثاً: في السلام والعدالة

١.    تعترف الكنيسة الأرثوذكسية وتُشيد على مرِّ العصور بالمكانةِ المركزية للسلام والعدالة في حياة البشر. يتميّز الإعلان الذي أتى به المسيح بـكونه "إنجيل السلام" (أف 6، 15)، لأن المسيح حينما "صالح بدمِ صليبه" الجميعَ (كول 1، 20)، "بشّرَ بالسلام البعيدين والقريبين" (أف 2، 17)، فغدا هو "سلامَنا" (أف 2، 14). وهذا السلامُ، "الذي يفوق كل عقل" (في 4، 7) هو أوسعُ وأعمق من السلامِ الذي يدعو إليه العالمُ، كما قال الرب نفسُه لتلاميذِه قبل الآلام: "سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالمُ أعطيكم أنا" (يو 14، 27). وذلك لأن سلامَ المسيح هو الثمرُ الكاملُ لجَمعِهِ كلَّ شيء في ذاته، وارتقائِه بقدسية وعظمةِ شخص الإنسان كصورةٍ لله، وإظهارِه في ذاته الاتحادَ العضويَّ بين الجنس البشري والعالم، ولشموليّة مثُل السلامِ والحرية والعدالة الاجتماعية، وأخيرًا خصوبة المحبة المسيحية بين البشر والشعوب. فالسلامُ الحقيقيُّ هو ثمر إحلالُ كلِّ هذه القيمِ المسيحية على الأرض. هو السلامُ الذي من العلى، الذي تصلّي من أجله الكنيسةُ الأرثوذكسية دائماً في طلباتها اليومية، وتطلُبه من الله القادرِ على كلِّ شيءٍ والسامعِ صلواتِ جميعِ المتقدمين إليه بإيمان.

٢.    من كلِّ ما سبق يظهرُ جلياً لماذا تتضرّعُ الكنيسةُ دوماً، كـ "جسد المسيح" (1كور 12، 27)، من أجل سلام كلِّ العالم، وهذا السلامُ، بحسب كليمنضس الاسكندري، هو مرادفٌ للعدالة (ستروماتيس، 4، 25. الآباء اليونان 8، 1369ب-72أ). أما باسيليوس الكبير فيضيف: "لا يمكن أن أقتنع، أنّه بدون محبّة للآخرين ومسالمتهم جميعًا، أستأهل أن أُدعى عبدَ يسوعَ المسيح، هذا إذا تعلّق الأمر بي" (رسالة 203، 1. الآباء اليونان 32، 737ب). ويعتبر هذا الأب أيضاً أن هذا الأمر هو من البديهياتِ لدى المسيحيِّ، بحيث "لا عمل يُعتبر أكثر مسيحية من الذي يسعى إلى  السلام" (رسالة 114. الآباء اليونان 32، 528ب). فسلامُ المسيح هو تلك القوةُ السريةُ التي تَنبُعُ من مصالحةِ الإنسان مع أبيه السماويِّ، "بعناية المسيح، الذي عمل الكلَّ في الكلِّ، صَنَعَ السلامَ المحدَّدَ منذ البدء والذي لا يُسبَر غَورُه وصَالحَنا لنفسِه وبه لله الآب" (ديونيسيوس الأريوباغي، في الأسماء الإلهية، 11، 5. الآباء اليونان 3، 953أب).

٣.    يجب أن نُشدِّدَ في الوقت عينه أن عطيتي السلام والعدالة الروحيّتين تتوقفان أيضاً على تعاونِ الإنسان. والروحُ القدس يمنَحُ العطايا الروحية، عندما  يسعى الإنسان بتوبةٍ إلى سلامَ الله وعدلَه. فعطيتا السلامِ والعدالة تظهران هناك حيث يبذلُ المسيحيون جهدَهم في عملِ الإيمان والمحبة والرجاء بالمسيحِ يسوعَ ربنِّا (1تس 1، 3).

٤.    الخطيئةُ هي مرضُ روحي تظهرُ أعراضُه الخارجيّةُ في الاضطراباتِ والنزاعات والجرائم والحروب، مع نتائجها المأساوية. والكنيسةُ لا ترمي فقط إلى علاجِ الأعراضِ الخارجية لهذا المرض، بل إلى علاجِ المرضِ بحد ذاتِه، والذي هو الخطيئة.

٥.    وفي الوقت عينه، فإن الكنيسةَ الأرثوذكسية تَعتبرُ واجبَها أن تشجّع كلَّ ما يَخدُمُ السلامَ بالحقيقة (رو 14، 9) ويفتحُ الطريقَ نحو العدالةِ، الأخوة، الحرية الحقيقية، والمحبةِ المتبادلة بين كلِّ أبناءِ  الآب السماويِّ الوحيد، كما وبين كلِّ الشعوب الذين يشكِّلون عائلةً إنسانيةً واحدة. وتؤاسي كلِّ البشر، الذين يعوزون خيرات السلامِ والعدالةِ في بقاع العالم المختلفة.

 

رابعاً: السلام والعدول عن الحرب

١.    كنيسة المسيح تدين الحربَ عموماً، وتعتبرها نتاجَ الخطيئةِ والشرِّ الذي في العالم. "من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا من لذّاتِكم المحاربة في أعضائكم؟" (يع 4، 1). فكل حربٍ تشكِّلُ تهديداً بتدمير الخليقة والحياة.

وخاصةً في حالِ حروبِ أسلحةِ الدمار الشامل، فالعواقبُ ستكون رهيبةً، وذلك ليس فقط لكونها ستجلبُ الموتَ لأعدادٍ لا تُحصى من الناس، ولكن أيضاً لأن حياةَ الذين سينجون منها ستصبحُ غيرَ قابلةٍ للعيش. ستَظهَرُ أمراضٌ غيرُ قابلةٍ للشفاء، وستنتج تغيراتٌ جينيةٌ وكوارثُ أخرى، والتي ستؤثر في الأجيال القادمة بشكلٍّ مدمِّر.

وليست الأسلحةُ النووية فقط هي الخطيرةَ جداً، بل والأسلحةُ الكيماوية والبيولوجية، وكافة أنواعِ الأسلحة التي تخلق أوهاماً عن السيطرة والهيمنة على العالم المحيط. هذه الأسلحةُ تُنتِج جواً من الخوف وانعدام الثقة وتشكِّلُ علةً لسباقِ تسلّحٍ جديد.

٢.    إن كنيسة المسيح، إذ تعتبر أن الحرب هي نتاجُ الخطيئة والشرِّ الذي في العالم، فإنها تشجِّع كلَّ مبادرةٍ ومحاولةٍ للوقاية منها أو العدولِ عنها بالحوار وكلِّ وسيلةٍ أخرى متاحةٍ. وفي الحالة التي تصبح فيها الحرب أمراً محتوماً، فإن الكنيسة تستمر في الصلاة والعناية الرعوية بأبنائها المتورطين في اشتباكات الحرب لأجل الدفاع عن حياتهم وحريتهم، ولا تؤول جهداً لإعادة السلام سريعاً.

٣.    الكنيسة الأرثوذكسية تدين بشكلٍ قاطعٍ الحروبَ والنزاعاتِ المتعددةَ الأشكال، والتي تَنجُم عن التعصبِ الناتج عن أسس دينية. ومما يثير القلقَ العميق النزعةُ المتزايدة إلى ظلم واضطهاد المسيحيّين، وغيرهم من الجماعات، بسبب إيمانهم، في الشرق الأوسط وسواه، كما ومحاولاتُ انتزاعِ المسيحية من مهدها. فإنّ ذلك يهدّد العلاقاتِ القائمةَ على المستويين الدينيّ والدوليّ، وفي الوقت عينه يُجبِر الكثير من المسيحيين على مغادرة أوطانهم. إن أرثوذكسيي بأسره العالم يشاركون أخوتَهم المسيحيين وكلَّ المضطهدين في هذه المنطقة ألمهَم ويدعون إلى إيجاد حلٍّ عادلٍ ودائمٍ لمشكلات المنطقة.

تُدين  الكنيسة الأرثوذكسيّة أيضاً الحروبُ الناجمة عن النزعة القوميّة، والتي تؤدي إلى التطهيرات العرقيّة، وتُحدِثُ تبدّلاتٍ في حدود الدول، وتؤدي إلى احتلالِ أراضي دولٍ أخرى.

 

خامساً: الكنيسة الأرثوذكسية في مواجهة أنواع التمييز

١.   إن الربَّ، إذ هو ملكُ العدل (عب 7، 2-3)، يستنكر العنف والظلم (مز 10، 5)، ويدين الموقف غير الإنساني تجاه القريب (مر 25، 41-46. يع 2، 15-16). وملكوتُه، الذي يَظهَر ويَحضُر في كنيسته هنا على الأرض، لا يوجد فيه مكانٌ للبغض بين الأمم، ولا لأيةِ عداوةٍ أو عدم التسامح (إش 11، 6. رو 12، 10).

٢.   لذا فإن موقف الكنيسة الأرثوذكسية واضحٌ جدًّا في هذا الصدد: فالكنيسة الأرثوذكسيّة تؤمِن أن الله "صنعَ من دمٍ واحدٍ كلَّ أمةٍ من الناس يسكنون على كلِّ وجه الأرض" (أع 17، 26)، وأنه بالمسيح "ليس يهوديٌّ ولا يونانيٌّ، ليس عبدٌ ولا حرٌّ، ليس ذكرٌ ولا أنثى، لأنكم جميعاً واحدٌ بالمسيح يسوع" (غلا 3، 28). المسيح أجاب عن سؤال "ومن هو قريبي؟" بمثَلِ السامريِّ الصالح (لو 10، 25-37). وهكذا عَلَّمَنا بهدْمِ كلِّ جدارِ متوسط من التحيُّزٍ والعداوةٍ. الكنيسة الأرثوذكسية تعترف بأن كلَّ إنسانٍ، بغضِّ النظرِ عن لونه، دينه، عرقه، وطنه لغته، هو مخلوقٌ على صورة الله ومثاله ويتمتع بكامل الحقوق في المجتمع. وبالتزامِها بهذا الإيمانِ، فإن الكنيسةَ لا تقبَلُ أنواع التمييز لأيٍّ من الأسباب الآنفة الذكر، طالما أنه يفترض اختلافاً في الكرامة بين البشر.

٣.   إن الكنيسة، بروح احترام حقوق الإنسان والمساواة في المعاملة بين البشر، تنظر إلى تطبيق هذه المبادئ في ضوء تعليمها حول الأسرار، العائلة، مكانة الرجل والإمرأة في الكنيسة، وقيمِ التقليد الكنسي بشكلٍ عام. وللكنيسة حقُّها في إعلان شهادة تعليمها في العلن.

 

سادساً: رسالة الكنيسة الأرثوذكسية كشهادة محبةٍ في الخدمة

١.   إذ تتممُ الكنيسةُ الأرثوذكسية رسالتها الخلاصيةَ في العالم، فإنها تعتني بشكل عمليّ بكل إنسان محتاج للمساعدة، الجياع، المعدمي الموارد، المرضى، المقعدين، كبار السنّ، المضطهدين، المأسورين، المسجونين، المشردين، اليتامى، ضحايا الكوارث والنزاعات المسلّحة، وضحايا تجارة البشر وأشكال العبودية المعاصرة. وتشكِّلُ المساعي التي تبذلها الكنيسة الأرثوذكسية في سبيل مكافحة الفقر والظلم الاجتماعي تعبيراً عن إيمانها وخدمتها للرب بالذات، الذي ساوى نفسه بكل إنسان بائس ومحتاج: "كل ما فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الصغار، فبيّ فعلتموه" (متى 40:25). وتستطيع الكنيسة، ضمن إطار هذه الخدمة الاجتماعيّة المتعددة المجالات، أن تتعاون مع كل المؤسسات والهيئات الاجتماعية ذات الصلة.

٢.    إن المنافساتِ والعداوات السائدة في العالم تدخل الظلمَ وعدم المساواة في مشاركة البشر والأوطان في خيرات الخلق الإلهي. فهي تحرم ملايين الناس من الخيرات الأساسية وتقود إلى افتقار الشخصيّة الإنسانيّة، وتحرّض على هجراتٍ جماعية هائلة للسكّان، وتولّد صدامات أثنية ودينية واجتماعية تهدّد البنية الداخلية للمجتمعات.

٣.   لا تستطيع الكنيسة أن تبقى غير مكترثة بالعمليّات الاقتصادية التي تؤثر سلبياً على البشرية جمعاء. فهي تشدد حاجة تأسيس الاقتصاد على مبادئ أخلاقية، وعلى أن يكون في خدمة الإنسان العمليّة، وذلك بانسجام مع تعليم بولس الرسول: "هكذا ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 35:20). ويكتب القديس باسيليوس الكبير: "هدف كل واحد منا يجب أن يكون خدمة حاجات الآخرين لا حاجاته الخاصة" (القوانين الكبيرة، الآباء اليونان 31، 1025أ).

٤.    إن الهوّة بين الأغنياء والفقراء تتسع بشكل  مأسويّ بسبب الأزمة الاقتصادية، والتي هي عادةً نتاجُ الربح غير المحدود لبعض القادة الماليّين، وتجمع الثروة في أيادي أقلّية من الناس، كما ونتاج العبث بالنشاط الاقتصادي، الذي لا يخدم في النهاية الحاجات الحقيقية للإنسان، إذ تعوزه العدالة والإنسانية. فالاقتصاد القابل للعيش هو الاقتصاد الذي ترتبط فعاليته بالعدالة والتعاضد الاجتماعي.

٥.    في ظل هذه الظروف المأساوية، تتوضح المسؤولية العظيمة التي تقع على عاتق الكنيسة في محاربة الجوع وكل أشكال العوز في العالم. فظاهرة العوز هذه الخاصّة بهذا العصر، والتي تجعل بلدان العالم تعيش في ظل نظام اقتصادي عالميّ، تبرز الأزمة الحقيقية في هوية العالم المعاصر، لأن الجوع لا يهدد فقط عطية الحياة التي يمنحها الله لسائر الشعوب، لكنه يمسُّ أيضاً عظمة وقداسة شخص الإنسان، وفي نفس الوقت يسيء إلى الله نفسه. لهذا، إن كان اهتمامنا من أجل طعامنا أمراً مادياً، فإن اهتمامنا من أجل طعام أخينا هو أمر روحي (يعقوب 2، 14-18). لذا، فإن التعاضد وتنظيم المساعدة الفعالة لأخوتنا المعوزين واجب على كلّ الكنائس الأرثوذكسيّة.

٦.   إن كنيسة المسيح المقدسة في جسمها الجامع الذي يضمُّ في أحضانها الكثير من شعوب الأرض، تشدّد على مبدأ التعاضد الإنسانيِّ وتدعم التعاون الحثيث بين الشعوب والحكومات من أجل الحلِّ السلميِّ للخلافات.

٧.    لاشك أن النمط المتزايد الذي يُفرض على البشرية بطريقة العيش الاستهلاكية، بدون أي استناد على القيم الأخلاقية المسيحية، هو مدعاة قلق للكنيسة. وبهذا المعنى، فإن هذا الاستهلاك، بارتباطه  بعولمة خاضعة للحداثة، يميل إلى قيادة الشعوب نحو ضياع جذورها الروحية ومحو ذاكرتها التاريخية ونسيان تقاليدها. 

٨.    إن وسائل الإعلام تخضع غالبًا إلى إيديولوجية العولمة الليبِراليّة، وهكذا تصبح أداةً لنشر إيديولوجيّة الاستهلاك وانعدام الأخلاق. ومما يثير القلق بشكلٍ خاص بعض المواقف قليلة الاحترام لا بل المجدّفة تجاه القيم الدينية التي تولّد انشقاقاتٍ واضطرابات داخل المجتمع. وتحذّرُ الكنيسةُ أبناءَها من خطر تأثر وعيهم بواسطة وسائل الإعلام واستخدامها ليس كوسيلة للتقارب بين الناس والشعوب بل للتلاعب بهم. 

٩.    كثيراً ما تواجه الكنيسة مظاهر إيديولوجيّة العولمة في نشر تعاليمها والقيام برسالتها الخلاصية تجاه الإنسانية. وكنيسة المسيح في العالم مدعوةٌ للتعبير على شهادتها النبوية تجاه العالم وإظهارها، مستندةً إلى خبرة الإيمان، ومذكِّرةً بهذا برسالتِها الحقيقية، ألا وهي إعلان ملكوت الله  ورعاية وعي الوحدة داخل رعيتها. وهذا ما يفتح الأفق واسعاً أمامها، طالما أن الوحدة والشركة الإفخارستية هي عنصرٌ جوهريٌّ في تعليمها الإكليزيولوجيّ الذي تقدِّمُه للعالم المتشتت.

١٠.   الرغبة بالزيادة المستمرة للحياة الرغيدة والاستهلاك اللامحدود يقودان حتماً نحو استخدام للمصادر الطبيعية على نحو لا يتكافأ، مع الموارد الطبيعيّة، ما يؤدي إلى اضمحلالها. إن العالم الذي خلقه الله  ليحرثه الإنسان (انظر تكوين 2، 15) يتأثّر بوضوحٍ بنتائجَ خطيئةِ الإنسان: "وما كانَ خُضوعُها لِلباطلِ بإرادَتِها، بَلْ بإرادة الذي أخضَعَها. ومعَ ذلِكَ بَقِيَ لَها الرَّجاءُ أنَّها هِيَ ذاتُها ستَتَحَرَّرُ مِنْ عُبوديَّةِ الفَسادِ لتُشارِكَ أبناءَ اللهِ في حُرِّيتِهِم ومَجدِهِم" (رومية 8، 20-22).

إن الأزمة البيئية الحالية المرتبطة بالتغيرات المناخية والارتفاع الحراري للأرض، تزيد من واجب الكنيسة في المساهمة، بالوسائل الروحية المتاحة لها، في حماية خليقة الله من نتائج جشع الإنسان. فالجشع في تأمين الحاجات المادية يقود إلى الفقر الروحي للإنسان وإلى دمار البيئة. ولا يجب أن يُنسى أن غنى الأرض الطبيعي ليس هو ملكيّةً خاصةً بالإنسان، لكنه مُلكٌ للخالق: "للرب الأرض بكمالها، المسكونة وكل الساكنين فيها" (مزمور 23، 1). لهذا فإن الكنيسة الأرثوذكسية تشدِّدُ على حماية خليقة الله من خلال تفعيل مسؤولية الإنسان أمام البيئة المعطاةِ له من الله وتسليط الضوء على فضيلتيّ القناعة وضبط الذات. ويجب أن نتذكر بأن الأجيال المستقبلية، وليس فقط الحاليّة، لها الحق في الخيرات الطبيعية، التي وهبنا الخالقُ إياها.

١١.    بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية فإن إمكانيةَ البحثِ العلميِّ  في العالم هي عطيةٌ إلهيةٌ للإنسان. لكن، وفي الوقت التي تقول فيه ذلك، فإن الكنيسة تنوّهُ للأخطار التي يمكن أن تنجم  عن استخدام بعض المنجزاتِ العلمية. إذ تعتبر الكنيسة أنه، وإن كانت للعالِمِ حريةُ البحثِ، إلا أنه يتوجب عليه أن يوقف بحثَه عندما يتم انتهاكُ المبادئ المسيحيةِ والإنسانية: "كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كلُ الأشياء توافق. كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط عليَّ شيء" (1 كو 6، 12). ويقول غريغوريوس اللاهوتي: "الجيد ليس بجيد عندما لا تكون نهايته جيدة" (كلمة لاهوتية 1، 4، الآباء اليونان 36، 16ج).  وتثبُتُ ضرورة موقفِ الكنيسة هذا على أصعدةٍ متعددة في التحديد السليم لأطر الحرية وتفعيل الاستخدام الجيد لثمار العلم، في كل مجالاته، وخاصةً في مجال علم الأحياء، حيث يُنتظَر منها إنجازاتٌ جديدة، كما وأخطارٌ أيضاً. وفي هذا كلِّه، تشدد  الكنيسة على القداسةِ غير المشكوكِ بها لحياة الإنسان، من لحظة الحَملِ به حتى الموت الطبيعي. 

١٢.    تُلاحَظُ، في الأعوام الأخيرة، قفزات تطوريّة لعلوم الحياة والتقنية المرتبطة بها، والتي الكثير من إنجازاتهما تُعتَبرُ مفيدةً للإنسان، بينما تثير آخرى معضلاتٍ أخلاقية، ويُعتَبر بعضها الآخر إنجازات مرفوضة قطعياً. الكنيسة الأرثوذكسية تعتبر أن الإنسان ليس عبارةً عن تجمعٍ بسيط من الخلايا والأنسجة والأعضاء، ولا يُحدَّدُ فقط بالعوامل البيولوجيّة. الإنسان هو مخلوقٌ على صورة الله (تكوين 1، 27) وتجدرُ الإشارةُ إليه بكل الاحترام الواجب. والاعتراف بهذا المبدأ الأساسي يقود إلى الخلاصة أنه، كما في البحث العلمي كذلك في التطبيق العلمي للاكتشافات الجديدة، يجب أن يُحفَظ الحقُّ المطلق لكل إنسانٍ بأن يتمتعَ بالاحترام والكرامة في كل مراحل حياته،كما وأن تُحفَظَ مشيئة الله كما أُعلنت في خليقته. يجب أن يأخذ البحث العلمي بعين الاعتبار المبادئ الأخلاقية والروحية والأسسَ والعادات المسيحية. وإن الاحترام اللائق واجبٌ تجاه كلِّ خليقة الله، سواءً في استخدام الإنسان لها، وخلال البحث فيها، بحسب وصية الله إليه (تكوين 2، 15). 

١٣.    تظهر الحاجة، في زمن الحداثة هذا، إلى إظهار بشكل خاصّ أهمية قداسة الحياة، وذلك في ظلِّ الأزمة الروحية التي تميِّزُ الحضارةَ الحديثة. إن الخلط بين مفهوم الحرية وحياة الخلاعة يقود إلى زيادة الجريمة وإلى دمار وتدنيس الكنائس ، وإلى زوال احترام حرية القريب وقداسة الحياة. إن التقليد الأرثوذكسي، الذي تكوّن من خلال العيش العمليّ للحقائق المسيحية، هو حاملٌ للروحانية والمناقب النسكيّة، التي يجب أن تُعظّم وتُعلَنَ خاصةً في عصرنا هذا. 

١٤.    إن الاهتمام الرعائي الخاص الذي توليه الكنيسة للشباب مستمرٌ بثبات لأجل تربيتهم في المسيح. ومن البديهي أن تمتد المسؤولية الرعائية للكنيسة إلى رباط العائلة المعطى من الله، والذي استند بالضرورة دوماً إلى قدسيّة سرّ للزواج المسيحيّ، كاتحادٍ بين رجلٍ وامرأة، على صورةٌ اتحاد المسيح بكنيسته (أفسس 5، 32). وهذا الأمر هو من صلب عصرنا، في ظلِّ محاولاتٍ تَظهر في بعض الدول وبعض الجماعات المسيحية لقوننة ووضع أسس لاهوتية لأشكال تعايش جديدة متناقضة مع التقليد والتعليم المسيحيين. 

١٥.    إن صوت الكنيسة النبوي والرعوي، في عصرنا هذا وعلى مدى العصور، يتوجه نحو قلب الإنسان ويدعوه، مع الرسول بولس، لكي يعيش ويتبنى "كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسر، كل ما صيته حسنٌ" (فيلبي 4، 8)، في محبة الربِّ المصلوب المبذولة، والتي هي الطريق الوحيدة نحو عالمِ سلامٍ وعدالةٍ وحريةٍ ومحبة بين البشر والشعوب. 

 

شامبيزي، 26 كانون الثاني 2016

+ يوحنا، مطران برغامس، الرئيس

+ سرجيوس، مطران الرجاء الصالح

+ المتروبوليت دمسكينوس (كنيسة أنطاكية)

+ إيسيخيوس، مطران كابيتولياس

+ إيلاريون، مطران فولوكولامسك

+ أمفيلوخيوس، مطران الجبل الأسود

+ نيفن، مطران تارغوفيست

+ يوحنا، مطران فارنا

+ جبراسيموس، مطران زوغديدي وتسايشي

+ جاورجيوس، مطران بافوس

+ خريسوستوموس، مطران بيريستاريون

+ جاورجيوس، مطران سيمياتتزي

+ يوحنا، مطران كورسي

+ جاورجيوس، مطران ميشالوفسي

+ إرميا، مطران سويسرا، أمين سرّ المكلف لتخضير المجمع المقدس الكبير